عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
57
اللباب في علوم الكتاب
وثالثها : قال الواحدي « 1 » : كان ابن عباس يقرأ « 2 » « ملكين » بكسر اللام ويقول : ما طمعا في أن يكونا ملكين لكنهما استشرفا إلى أن يكونا ملكين ، وإنّما أتاهما الملعون من وجهة الملك ، ويدلّ على هذا قوله : هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى [ طه : 120 ] ، وضعف هذا الجواب من وجهين « 3 » : الأول : هب أنّه حصل الجواب على هذه القراءة فهل يقول ابن عبّاس إنّ تلك القراءة المشهورة باطلة ؟ أو لا يقول ذلك ؟ والأول باطل ، لأنّ تلك القراءة قراءة متواترة فكيف يمكن الطّعن فيها ؟ وأمّا الثّاني فعلى هذا التّقدير الإشكال باق ؛ لأنّ على تلك القراءة يكون بالتّطميع قد وقع في أن يصير بواسطة ذلك الأكل من جملة الملائكة ، وحينئذ يعود السّؤال . الوجه الثاني : أنّه تعالى جعله مسجود الملائكة ، وأذن له في أن يسكن الجنّة ، وأن يأكل منها رغدا حيث شاء وأراد ، [ ولا مزيد ] في الملك على هذه الدّرجة « 4 » . السؤال الثاني : هل تدلّ هذه الآية على أنّ درجة الملائكة أكمل وأفضل من درجة النّبوّة ؟ والجواب : أنّا إذا قلنا : إن هذه الواقعة كانت قبل النّبوّة لم يدلّ على ذلك ؛ لأنّ آدم - عليه الصّلاة والسّلام - حين طلب الوصول إلى درجة الملائكة ما كان من الأنبياء ، وإن كانت هذه الواقعة قد وقعت في زمن النّبوّة فلعلّ آدم - عليه الصّلاة والسّلام - رغب في أن يصير من الملائكة في القدرة والقوّة أو في خلقة الذات بأن يصير جوهرا نورانيا ، وفي أن يصير من سكّان العرش والكرسيّ ، وعلى هذا فلا دلالة في الآية على ذلك « 5 » . السّؤال الثالث : نقل أنّ عمرو بن عبيد قال للحسن في قوله : « إلّا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين » ، وفي قوله : « وقاسمهما » قال عمرو : قلت للحسن ؛ فهل صدقاه في ذلك ؟ فقال الحسن : معاذ اللّه ، لو صدّقاه لكانا من الكافرين . ووجه السّؤال : أنه كيف يلزم هذا التّكفير بتقدير أن يصدّقا إبليس في ذلك القول ؟ والجواب : ذكروا في تقدير ذلك التّكفير أنّه عليه الصّلاة والسّلام لو صدق إبليس في الخلود ، لكان ذلك يوجب إنكار البعث والقيامة وأنه كفر . ولقائل أن يقول : لا نسلّم أنّه يلزم من ذلك التّصديق حصول الكفر ، وبيانه من وجهين :
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 14 / 40 . ( 2 ) وقرأ بها أيضا الحسن بن علي ، والضحاك ويحيى بن كثير والزهري ، وابن حكيم . ينظر البحر المحيط 4 / 280 ، والرازي 14 / 40 . ( 3 ) ينظر : الفخر الرازي 14 / 40 . ( 4 ) ينظر : الفخر الرازي 14 / 40 . ( 5 ) ينظر : المصدر السابق .